محمد راغب الطباخ الحلبي
563
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
مغرما به ، فكان يشرب منه في اليوم والليلة نحو عشر كاسات أو أزيد أحيانا ، ثم يأخذ في المطالعة في الليل وفي التلاوة ، ويظل ساهرا حتى مطلع الفجر ، فحينئذ يصلي ثم ينام إلى ضحوة النهار ، ثم بعد قيامه يتوضأ فيصلي الضحى ويتلو ما تيسر من القرآن ، ثم يأخذ في قراءة الدروس حتى المساء ، فيقرأ في النهار ثلاثة وأحيانا أربعة من الدروس . بقي على هذا المنوال من حين مجاورته في هذه المدرسة إلى حين وفاته لم يغير شيئا من حالته . وبالجملة فلم أر عليه رحمه اللّه شيئا يشينه ، بل كنت أجد فيه رجل الاستقامة والاقتداء بالسلف الصالح . وبعد وفاة مدرس المدرسة الأحمدية الشيخ حسين الكردي وذلك في نواحي سنة 1334 صار مدرسها ، وبقي على ما هو عليه من قراءة الدروس كما أسلفنا إلى أن مرض أياما قلائل ثم توفي في شهر محرم سنة 1338 ، ودفن في تربة الشيخ ثعلب في طرفها تجاه المكتب السلطاني ، وعمر نحو الستين من العمر ، ولم يتزوج قط . وأسف عليه كل من عرف فضله وتقواه ، رحمه اللّه تعالى . هذا وقد علمت مما تقدم أنني ظللت سنتين أقرأ في شرح الشمسية في علم المنطق للقطب الرازي ، وكنت قبل ذلك قرأت في هذا العلم شرح إيساغوجي وشرح السلم على الشيخ علي رضا الزعيم كما قدمته في ترجمته . والذي دعاني لعدم الاكتفاء بالكتابين الأخيرين وأغراني للتوسع فيه وقراءة شرح الشمسية مع مشارفة حاشية السيد عليه قولهم : المنطق آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر . فأكبرت هذا العلم لعظم فائدته ، فوجهت الهمة حينئذ لتحصيله ، وصرفت ذلك الوقت الثمين في قراءته وحدي على أستاذي المتقدم . والحق يقال إنه لم يأل جهدا في قراءته لي قراءة تحقيق وتدقيق ، غير أني بعد الانتهاء من الكتاب لم أجد في نفسي تلك الثمرة التي ذكروها ولم تعصمني تلك القواعد في الذهن عن الخطأ في الفكر ، ووجدت نفسي أني لا أزال أخطىء وأصيب شأن الطبيعة البشرية التي هي مفطورة على ذلك إلا من عصمه اللّه تعالى ، فتيقنت من ذلك الحين أن لا فائدة في هذا العلم وأن من وهبه اللّه طبعا سليما وعقلا مستقيما لا حاجة له إلى هذا الفن ، وأن إتقان كل علم يكون بالعكوف عليه وتوجيه الهمة إليه وترويض الفكر فيه ، وذلك ما يدعونه الآن بالتخصص ، وأسفت غاية الأسف على وقتي الذي ذهب